Thursday, October 21, 2010

قالت لي أمي

قالت لي أمي

=======

كنت صغيرا ألهو في حضرتها وأصنع الشغب فتلاطفني وتعلمني كيف أكون هادئا ولطيفا ، كانت تجلسني في حجرها وتزرع في وجداني معاني القيم والمباديء النبيلة ، كانت تبدأ بالقيم الانسانية ثم تؤكد كلامها بالحديث عن القيم من منظور الدين ، وحين كبرت كانت تذكرني بما قالته من قبل ، كانت تشعرني أنني اذا أردت أن أكون انسانا فلا بد أن أتحلي بهذه الصفات واذا أردت القرب من الله والثواب العظيم لا بد أن أنفذ ما قالته لي من نصائح

قالت لي أمي : احسن الظن بالناس دوما وأقنع نفسك انهم كانوا يريدون الخير حتي وان انحرفت غاياتهم وضلت وسائلهم ، لكن لا تعتقد ان الشر مركب فيهم

كن وفيا فالوفاء دليل علي انسانيتك واخلاصك ، لا تكن أبدا خائنا ، فالخائنون هم أحط البشر وأشقاهم ، عش دوما في النور وابغض الظلام ، فمن يعيشون في الظلام تصاب أعينهم بغشاوة فلا يرون ما ينبغي رؤيته ويضلون الطريق وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا

قالت لي امي : اذا اختلفت يوما مع احد ، فتذكر حسن صنيعه بك في يوم ما ، وضع حسنه امام ذنبه لتتساوي الكفتين فلا تشطط في عدواته ، واحذر شيطان الغضب الذي يوصلك للفجور اذا خاصمت احدهم ، تذكر ان أصحاب المعادن الطيبة هم من يتحلون بالرقي في خصومتهم واختلافهم ، اما غيرهم من يفقدون السيطرة علي انفسهم ويسمحون لأنفسهم بالكذب والاختلاق في سبيل اشباع شهوة الانتقام عند الاختلاف ، فانهم يظهرون سوء نفوسهم وانحطاط اخلاقهم

ان الصواب ليس مطلقا ، فما تعتقده صوابا قد يراه أحدهم خطيئة والعكس صحيح ، فلا تحتكر الحقيقة ولا تظن يوما أنك وحدك من يملك الصواب أو يسير في الاتجاه الصحيح ، قد تكون يوما مخطئا ويوما مصيبا ، فلا تجلد غيرك حين يقرر السير في طريق غير طريقك الذي اخترته ، قد تتقاطع يوما بكم الطرق وتقترب المسافات وتكتشفان انكما كنتما تسيران نحو نفس الهدف ولكن كل في طريق مواز

لا تحكم علي الناس من موقف عابر او حدث استثنائي قد لا يعبر عنهم حقيقة ، اترك لهم البراح لكي يعودوا اذا أخطأوا ، لا تحكم عليهم بالاعدام ، فأنت لن ترضي لنفسك نفس الشيء ، وتعلم حين تحب وحين تبغض ألا تفرط وتغالي ، ان حبيبك قد يصبح يوما بغيضك وبغيضك قد يصبح يوما حبيبك

قالت لي أمي : حين يلقي عليك بعض البشر بنقائصهم ، فلا تنشغل بسبهم ، بل اشفق علي حالهم فهم مرضي ومساكين يستحقون العطف والشفقة لا غيرها ، بقدر ما تتعالي عن حماقات البشر واساءتهم بقدر ما تعلو عند نفسك وعند الاخرين ، سيعتبر بعضهم ان هذا ضعفا ولكنه يا بني اعلي درجات القوة ان تقابل الاساءة بالصمت والتعفف بل والاحسان بأن تسامح وتغفر وتتجاوز

ان شجاعتك علي الاعتراف باخطائك هي دليل اكتمال انسانيتك ومروءتك ، ولكن هذا لا يكفي ، سل نفسك دوما : وماذا بعد ؟؟ ما الذي سافعله لأصحح أخطائي ؟ ان هذا هو السؤال الأهم والا أصبح الاعتراف بالأخطاء

عبثا تمارسه لارتكاب مزيدا من الاخطاء

قالت لي امي : اياك ان تتخيل ان الناس قد تجمع عليك يوما وتتفق معك كلية ، فهذا وهم لن يحدث ، ان البشر لم يتفقوا علي الايمان بالله ولا وجوده فكيف تتخيل ان تحوز ما لم يناله الله خالق الكون ؟؟ لذا فلا تجهد نفسك في ارضاء الناس ، فهم لن يرضون عنك ابدا ، ولكن اجهد نفسك في التوافق والاستقامة مع ما تؤمن به من أفكار وقيم ومباديء ، وبقدر استقامتك مع افكارك وما تدعوا اليه بقدر ما ستجد الراحة النفسية والاطمئنان والسلام النفسي ، قد تغضب العالم كله من حولك ولكنك ستنام مستريحا هانئ البال فقد توافقت واستقمت مع مبادئك

قالت لي امي : اذا وجدت الناس يوما يطمعون ويتقاتلون وراء توافه لا ثمن لها ولا قيمة فاربأ بنفسك أن تنزل لهذا الحد ، ان عزلتهم والهرب منهم حينها يغدوا واجبا حتي لا تخسر نفسك وحتي لا تتلوث بما سيتلوثوا به ، ان ترفعك عن الطلب واستغناءك عما يظنونه مغنما هو شيء يرفعك ويضعهم

يا بني اذا ضاقت بك يوما الحياة واغرورقت الدموع في عينيك ، واحتبس الهواء في رئتيك ، واذا اشتكت نفسك منك اليك ، فارفع الي الله كفيك ، وقل يا غياث المستغيثين أغثني ، وانزل ببابه وحط رحالك ، فلن تجد أرحم بك منه