Monday, August 4, 2008

ذكرياتي 1 عندما جمعت القمامة



--
المكان : الاسكندرية ..شاطيء المندرة
الزمان : اوائل التسعينات

في اجازة الصف الثالث الاعدادي كان عملي الجديد الذي التحقت به من بداية الصيف ، وكعادة اهل الاسكندرية فانهم يشجعون ابنائهم علي العمل صيفا لشغل الفراغ وللتربية علي تحمل المسئولية والاعتماد علي النفس - حتي وان كانوا لا يحتاجون ماديا - وكان اغلب زملائي واصدقائي في الشارع يعملون في كل اجازة ، لذلك قررت ان اعمل حتي لا اكون واد فافي مدلع ، بل لأثبت انني رجل مثلهم ، طبعا في بداية الاجازة كنت واصدقائي نبحث عن اي فرصة عمل خلال شهور الاجازة ونظل ندور علي المحلات والورش علنا نجد مكانا للعمل ، واخيرا وجدنا فرصة للعمل في شركة كيرسرفيس للنظافة وكانت الشركة تتولي نظافة الشواطيء وشارع الكورنيش ، كانت ظروف العمل كالتالي :

من 6 فجرا الي 4 عصرا اي 10 ساعات كاملة ---- كان الزي الرسمي العفريتة اللبني ، وهي مثل بدلة او افرول العمال تماما والحذاء هو ( الكزلك ) وهو عبارة عن بووت طويل خشن صلب من البلاستيك الثقيل الذي يمتص الحرارة ويمثل لقدميك جمرات ساخنة تسير بداخلها ويحتاج الي مجهود منك لتسير به مع ثقله، بالاضافة الي الرائحة المميزة التي تصدر منه ولا يطيقها من يلبسه فكيف بالاخرين ، بالاضافة الي طاقية صيادين اسكندرانية لتقيك من الشمس قليلا ، نذهب الي غرفة استلام الملابس التي لا تطيق رائحتها لانها تحتوي اكثر من مائة ( كزلك ) وليس بها منفذ واحد للتهوية ، ونقوم بارتداء الملابس كاملة مع الكزلك ، ويأخذ كل واحد منا مقشة عريضة - ( غلق ) وهو مثل القفة من جلد اسود متين - شوكة معدنية - جاروف

برنامج العمل
-----
اولا : مرحلة التسخين : تبدأ بعد ارتداء الملابس مباشرة ويتم تقسيم الشاطيء الي مربعات كل مربع يعمل به 5 افراد مهمتهم جمع الاوراق واي مخلفات اخري ( قشر البطيخ – كوز ذرة – اي حاجة ) يتم جمعها من الرمال وغربلتها بالشوكة ، المربع مكانش كبير قوي خالص ، مثال لمربع واحد هيعرفه اللي عارف اسكندرية ولف فيها : من اول سور المنتزة اللي قدام الشيراتون في المندرة وحتي شارع جامع سيدي كمال علي مشارف شاطيء العصافرة ... تخيلوا المسافة دي كلها بيشتغل فيها 5 افراد بس متوسط اعمارهم من 14 سنة الي 17 سنة
يغربلوا الرمال ، وياسواد ليلك لو المشرف لقي ورقة واحدة وراك

طبعا كرهت المصيفين اللي كانوا بييجوا بحلل محشي و3 بطيخات ويبهدلوا الدنيا بالقشر وشوك السمك والكابوريا وقشر الشمام وخلافه واحنا نتعك فيها تاني يوم ، حتي اني لما كنت بروح مع صحابي مساءا لشاطيء البحر نتمشي او نلعب كعادتنا اليومية كنت بشدد عليهم محدش يرمي حاجة الا في صندوق الزبالة عشان ما يتعبوش الغلابة اللي بينضفوا و انا واحد منهم

ثانيا : مرحلة الرصيف : تبدأ بعد نهاية مرحلة غربة رمال الشاطيء حيث يتم توزيع مسافة علي كل فرد يتولي تنظيفها ، كانت المساحة المعتادة هي 5 أعمدة كهرباء ( اي المسافة بينهم كاملة ) دورك ان تقوم بكنس الرصيف كاملا ، وكان بلاط الرصيف من البلاط الذي تحتوي كل بلاطة فيه 4 خطوط كل خط به تجويف يستقر فيه التراب ولا يخرج منه الا بعد مجهود وضغط منك علي المكنسة القش العريضة وربنا معاك

ثالثا : مرحلة تحت الرصيف : وتبدأ بعد انتهائك من تنظيف الرصيف حيث تقوم بكنس اسفل الرصيف الجزء الملاصق له الذي يتجمع فيه التراب الكثيف ، لم تكن سيارة جمع وكنس التراب من حواف الرصيف وصلت مصر حينها ، وبارك الله في الشباب المصري وفي تفانيه

رابعا : مرحلة الشوال والورق : بعد ان تؤدي كل هذه المهام البسيطة جدا تمسك شوال وتظل تمشي رايح جاي في المنطقة المحددة لك حتي ترفع اي ورقة او اي مخلفات قد يلقي بها الناس علي الرصيف او يلقونها من سياراتهم

مرحلة بينية
: مساعدة عربة الزبالة في جمع زبالة الصناديق الكبيرة ، كانت عربة الزبالة قديما متخلفة جدا بدلا من ان تجمع القمامة من الصناديق المعدنية الكبيرة كانت تبعثرها حول الصندوق لنقوم نحن بجمعها ووضعها في العربة واغلبها مخلفات وقمامة منازل وما ادراك ما قمامة المنازل ، ربما كانت هذه الفترة اصعب فترة تمر طول اليوم علينا

اصابات العمل التي كانت تلاحقني

1 – مادية : تسلخات القدمين جرحهما من لبس ( الكزلك ) – تشقق اليدين والتهاب الجلد من القبض علي ذراع المكنسة الخشبي العريض طويلا – الأم في الظهر من كثر الانحناء لجمع الاوراق من علي الرمال او علي الرصيف
2معنوية : من حسن حظي ومن سوءه في نفس الوقت ان المنطقة التي كنت اعمل بها باستمرار كانت تسكن بها زميلتي في المرحلة الابتدائية ( شيماء ) وكانت الاولي علي الفصل وانا كذلك كنا نتنافس معا علي المركز الاول باستمرار وكانت اول حب طفولي في حياتي - يعني الجو من الاخر - طوال فترة الدراسة الابتدائية ، اول مرة شفتها ما خدتش بالها مني ، اسرعت وغطيت كل وجهي بالكاب الاسكندارني– كنت مكسوف قوي وكنت هعيط من الخجل خاصة انها تعرفني جيدا ويعرف اهلها اهلي ومستواهم الاجتماعي ، كنت أخاف ألا تتفهم لماذا أعمل في هذا العمل الغريب علي امثالي ، مرة بعد مرة قررت ان اقهر هذا الخوف وهذا الخجل وان اجعلها تراني خاصة انها تنزل من عمارتهم المواجهة للبحر مرات عديدة طول فترة عملي الصباحية وفي اول مرة اخذت هذا القرار لم اتخيل رد فعلها الجميل عندما رأتني ممسكا بادوات النظافة وارتدي زي العمل ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت : مصطفي النجار صح ؟ قلت لها اه ازيك يا شيماء ، ردت : الحمد لله – ما كنتش اتخيل اشوفك كدا – بس بجد انت جدع قوي ، ربنا يقويك ، هما طنط وعمو عارفين انك بتشتغل هنا ؟ اجبتها : نعم ، قالت لي : طيب الحمد لله شد حيلك

وانتهي اللقاء ، المهم طبعا اللقاء دا كان له فوائد عدة ، علي المستوي المادي كانت شيماء وهي نازلة بين الحين والاخر تظبطني بسندوتش او عصير او اي حاجة حلوة علي الماشي وطبعا كنت باقبلها منها لاننا كنا زمايل واخوات ، علي المستوي العاطفي كنت بشوفها كل يوم وتبتسم لي وابتسم لها وحركات مراهقين صغنين في اعدادي ، وعشان كدا كنت بطلب من المشرف بتاعي انه يخليني كل يوم في المنطقة دي بعد ما كنت بترجاه انه يبعدني عنها

طبعا استفدت قوي من التجربة دي ، من اهم الحاجات اللي اتغرست جوايا : حب النظافة والحرص عليها ، الان مستحيل ارمي ورقة في الشارع ممكن افضل ماسكها في ايدي ساعة لغاية ما الاقي صندق قمامة ، الحاجة التانية هي ان اضع نفسي مكان الناس اللي بتتعب عشان خاطرنا واشفق عليهم واراعي مشاعرهم قوي ، حاجة كمان اتعلمتها اني ما اتكسف ابدا او اخجل من اي عمل مهما كان طالما انه شريف ، الحاجة الاخيرة ، تعلمت قيمة الحفاظ علي القرش الواحد ، حيث ان مرتبنا اليومي كان 3 جنيهات لليوم الواحد ، كنت بروح فرحان قوي للبيت وانا قابض 45 جنيه وكان القبض نصف شهري ، كنت بحس اني بجد كبرت وممكن يبقي ليا دخل من شغلي ، بجد كانت لحظات جميلة قوي رغم التعب بتاعها وقسوتها

الان اتذكر هذه اللحظات وهذه المرحلة وانا طبيب اعمل بالعيادة وبالمستشفي في غرف مكيفة وفاخرة ، أجد نفسي أبتسم واقول الحمد لله انني وصلت لما انا فيه الان والحمد لله الذي علمني من تجارب الزمن
مصطفي